الحجاب في العهد القديم

يضمّ العهد القديم مجموعة من النصوص التي تدلّ بلفظها الواضح على أنّ الحجاب كان شريعة ربّانية ملزمة للنساء, وقد كانت هذه النصوص معلومة للأحبار الذين أخذوا من عامتها حكم وجوب الحجاب على المرأة اليهوديّة[1], لكن مع تأثّر اليهود بالمجتمعات الغربيّة, وتحوّل اليهوديّة من دين مرتبط -إلى حد ما- بأصله السماوي, إلى انتماء عرقي ضيّق يتبنّى في الأغلب الفكر الليبرالي الغربي الغالب؛ غابت هذه النصوص عن جلّ ساحات الطرح الفكري العملي ..

ويلاحظ في هذه النصوص أنّ الكثير منها لا يقف عند شريعة تغطية المرأة شعرها, وإنّما يتجاوز ذلك إلى القول بتغطية الوجه, وبالتالي ستر المرأة كامل جسدها؛ تقول الموسوعة اليهوديّة: ((The Universal Jewish Encyclopedia)) تحت عنوان ((Veil)) في بيان أمر النقاب في العهد القديم: ((النقاب لتغطية الوجه. يضمّ الكتاب المقدس عدّة كلمات تترجم عادة على أنّها (نقاب). المعنى الدقيق لهذه الكلمات غير معروف, ربّما هي تشير إلى ملابس أخرى تستعمل هي أيضًا لتغطية الوجه. كلمة צע’ף استُعمِلت لرِفقة (تكوين 24/65) وثامار (تكوين 38/14, 19), الألفاظ الأخرى التي استُعمِلت في الكتاب المقدّس للنقاب- رغم أنّ معناها ليس دائمًا قطعيًا- هي צמה (إشعياء 47/2, نشيد الأنشاد 4/1,3, 6/7) وרד’ד (إشعياء 3/23, نشيد الأنشاد 5/7) وרעלה (إشعياء 3/19))) [2]

وسنتناول هنا أهم نصوص العهد القديم التي تظهر المكانة الشرعية للحجاب في تلك الأسفار التي يقدّسها اليهود -والنصارى أيضاً-؛ بما يجلي الحقيقة من منطوق النصوص ومفهومها..

****

جاء في سفر التكوين 24/64- 65 : ((ورَفَعَت رِفقَةُ عَينَيها فرَأَت إِسحق فقَفَزت عنِ الجَمَل، وقالَت لِلخادِم: ((مَن هذا الرَّجُلُ القادِمُ في الحَقلِ لِلِقائِنا؟)) فقال الخادم: ((هو سَيِّدي)). فأَخَذَتِ الحِجابَ واحتَجَبَت به.)) (ترجمة كتاب الحياة) وفي ترجمة (الفاندايك): ((فأخذت البرقع وتغطت.))

((ותשא רבקה את-עיניה, ותרא את-יצחק; ותפל, מעל הגמל.

ותאמר אל-העבד, מי-האיש הלזה ההלך בשדה לקראתנו, ויאמר העבד, הוא אדני; ותקח הצעיף, ותתכס. ))

ماذا فعلت ((رفقة))؟

لقد أخذت ((الحجاب/البرقع)) ((הצעיף)) (هتصاعيف) و((اكتست)) ((ותתכס)) به .. وهو –كما تقول الموسوعة الكتابية ((The International Standard Bible Encyclopaedia)) رداءٌ كبير كان يستعمل في ذاك الزمان لتغطية الوجه أيضًا! [3]

لقد استعملت الترجمة السبعينيّة اليونانيّة كلمة ((τὸ θέριστρον)) في مقابل كلمة ((הצעיף)), وهي اسم لرداء صيفي خفيف يغطّي البدن, وخاصة الرأس [4], وقد ذكره ((ترتليان)) في الفصل 17 من كتابه ((de Velandis virg.)) وقديس الكنيسة ((جيروم)) في كتابه ((ad Eustoch.)), كلباس كان النساء العربيات يرتدينه في القرون الميلاديّة الأولى.[5]

استعملت نفس هذه الكلمة في الترجمة السبعينية لنشيد الأنشاد 5/7 في حديث المرأة عن نزع الحراس لبعض ما تلبس عن جسدها.

****

جاء في سفر إشعياء 47/1-3 : ((انزلي واجلسي على التراب أيتها العذراء ابنة بابل. اجلسي على الأرض لا على العرش ياابنة الكلدانيين، لأنك لن تدعي من بعد الناعمة المترفهة. خذي حجري الرحى واطحني الدقيق. اكشفي نقابك، وشمري عن الذيل، واكشفي عن الساق، واعبري الأنهار، فيظل عريك مكشوفا وعارك ظاهرا، فإني أنتقم ولا أعفو عن أحد.))

يخاطب الربّ في هذا النصّ مدينة بابل -أو أهلها[6]– موبّخًا لها لمعصيتها أوامره؛ ويخبر عمّا سيؤول إليه أمرها من سقوط وذلّ, وهو يفعل ذلك من خلال الرمز إليها بالفتاة العذراء ((בתולת)) (بتولة) .. ستنزل الابتلاءات الشديدة على هذه البنت, بعد عزٍّ قديم .. ستجلس على غبار ((עפר)) (عافار) الأرض .. وستطحن الدقيق بيديها, وهو فعل العبيد والإماء في ذاك الزمن[7] .. وستكشف عن الـ((نقاب)) ((צמה)) في علامة على سقوط كرامتها ولحوق المهانة بها. وفي هذا يقول القمّص ((تادرس يعقوب ملطي)): ((((اكشفي نقابك، شمري الذيل))؛ وهو أمر غير لائق بالفتيات الصغيرات الشريفات في ذلك الحين، أن يكشفن وجوههن أو يشمرن ذيل ثيابهن.))[8]

إنّ قول (الربّ) في هذا النصّ لهذه البنت: ((اكشفي نقابك)) ((גלי צמתך)) ؛ يعدّ دليلاً على أنّ الأصل في المرأة أن تكون منتقبة.

ويوضّح الناقد ((جوزيف أديسن ألكسندر)) ((Joseph Addison Alexander)) المعنى بقوله: ((تحدّث أحد الشعراء العرب عن مجموعة من النسوة غير محجّبات, وأنّهن بذلك يشبهن الإماء, وهي نفس الفكرة المعبّر عنها هنا.))[9] .. فالحجاب هنا هو الذي يميّز المرأة الحرّة عن الأَمَة المستعبدة.

****

جاءت الإشارة إلى استعمال نساء بني إسرائيل النقاب في سفر إشعياء 3/ 16-24 :

((يقول الرب: ((لأن بنات صهيون متغطرسات، يمشين بأعناق مشرئبة متغزلات بعيونهن، متخطرات في سيرهن، مجلجلات بخلاخيل أقدامهن.
سيصيبهن الرب بالصلع، ويعري عوراتهن.))

في ذلك اليوم ينزع الرب زينة الخلاخيل، وعصابات رؤوسهن والأهلة،
والأقراط والأساور والبراقع ((והרעלות))،
والعصائب والسلاسل والأحزمة، وآنية الطيب والتعاويذ
والخواتم وخزائم الأنف،
والثياب المزخرفة والعباءات والمعاطف والأكياس
والمرايا والأردية الكتانية، والعصائب المزينة وأغطية الرؤوس
فتحل العفونة محل الطيب، والحبل عوض الحزام، والصلع بدل الشعر المنسق، وحزام المسح في موضع الثوب الفاخر، والعار عوض الجمال.))

كلمة ((רעלות)) (رعالوت) هي جمع ((רעל)) (راعل), وهو نقاب من النوع الفاخر على خلاف النوع الأدنى والمسمى ((צעיף)). [10]

يهدّد الربّ نساء شعبه (بني إسرائيل) بالعقاب الشديد إن انحرفن عن طريق الحقّ, وسلكن طريق الضلالة, وخرجن عن حدود الشريعة التي أنزلها .. ومن أوجه هذا العقاب: سلب نساء (الشعب المختار) براقعهن .. وهو ما يدلّ على أنّ عادة الإسرائيليات, ارتداء النقاب لتغطية الوجه؛ إذ كيف يسلبهن الربّ شيئًا لا يملكنه؟!

ويقول الناقد ((أتّو كايزر)) ((Otto Kaiser))[11] في تعليقه على هذا النصّ: ((..إنّ ذلك سيجعلهن يشعرن بالخجل وسيُنظر إليهن على أنّهن غير حَييّات بظهورهن بغير نقاب ولا غطاء رأس أمام العامة. إنّ ذلك يعني أنّهن سَيَسْفُلن إلى مرتبة الإماء, وسيُؤخذن كأسيرات حرب.)) [12]

واعتبرت الموسوعة اليهوديّة ((The Oxford Dictionary of the Jewish Religion)) هذا النصّ دليلاً على أنّ ((واجب تغطية الراس يعود إلى الأزمنة القديمة.))[13]

****

وصف سفر دانيال 13/2-3 ((سوسنة)) بأنّها مؤمنة تقيّة: ((فتزوج امرأة اسمها سوسنة، ابنة حلقيا، وكانت جميلة جدًا ومتقية للرب, وكان والداها بارين، فربياها على حسب شريعة موسى.)) .. وقد جاء وصفها أنّها كانت منتقبة في سفر دانيال نفسه: ((وكانت سوسنة لطيفة جدا جميلة المنظر, ولما كانت مبرقعة، أمر هذان الفاجران أن يكشف وجهها، ليشبعا من جمالها.)) (13/31-32).[14]

****

أهمّ نصّ كتابي احتجّ به أحبار اليهود لإثبات شريعة الحجاب, هو ما جاء في سفر العدد عند الحديث عن الشريعة المسمّاة: ((شريعة الغيرة))؛ إذ يقول النصّ إنّ الرجل إذا شكّ في زنى زوجته, ولم يكن معه دليل مادي لإثبات ذلك أمام القضاء؛ فإنّه يأخذ زوجته إلى الكاهن الذي ((يكشف رأس الزوجة، ويضع في يديها تقدمة التذكار التي هي تقدمة الغيرة، ويحمل الكاهن بيده ماء اللعنة المر. ويستحلف الكاهن المرأة قائلا لها: إن كان رجل آخر لم يضاجعك، ولم تخوني زوجك، فأنت بريئة من ماء اللعنة المر هذا…)) (سفر العدد5/18-19) .. وما كان للكاهن أن (يكشف) إلا رأسًا مستورًا بحجاب .. وقد علّق الحبر اليهودي الشهير والعَلَمُ بين علماء بني إسرائيل ((راشي)) [15] على هذا النصّ بقوله: ((بما أنّهم يفعلون ذلك لإصابتها بالخزي … فإنّ ذلك يدل على أنّه (في أصله) محرّم. أو أيضًا, بما أنّه قد كتب: ((يكشف))؛ فإنّه يستتبع ذلك القول إنّه إلى حدّ ذاك الفعل, كان (رأسها) مغطّى, ويتضح من ذلك أنّه ليس من عادة بنات إسرائيل أن يخرجن برأس مكشوف. هذا هو (التفسير) الأساسي.))[16], كما عدّه أشهر العلماء اليهود المتأخّرين ((فلنا غاون)) ((Vilna Gaon))[17] دليلاً على حرمة كشف الإسرائيليات لرؤوسهن.[18]

وقد جاء في مدراش سفر العدد 5/18 في بيان سبب كشف الكاهن شعر المرأة وإرساله: ((لأنّ من عادة بنات إسرائيل أن تكون شعورهن مغطّاة, وبالتالي فإنّه لمّا يَكشف شعر رأسها, يقول لها: ((لقد فارقتِ سبيل بنات إسرائيل اللاتي من عادتهن أن تكون رؤوسهن مغطّاة, ومشيتِ في طرق النساء الوثنيّات اللاتي يمشين ورؤوسهن مكشوفة.))

****

لمّا أراد صاحب سفر نشيد الإنشاد وصف محبوبته, قال: ((لَشَّدَ مَا أَنْتِ جَمِيلَةٌ يَاحَبِيبَتِي، لَشَّدَ مَا أَنْتِ جَمِيلَةٌ! عَيْنَاكِ مِنْ وَرَاءِ نَقَابِكِ كَحَمَامَتَيْنِ.)) (نشيد الأنشاد 4/1) .. فقول الكاتب -الذي يقول اليهود والكنيسة إنّه ((سليمان)) النبيّ- للمرأة : ((وراء نقابك)) ((מבעד לצמתך)) (مِبَّعَد لصماتيخ)؛ دليل على إقرار هذا النبيّ لارتداء هذا اللباس, وأنّه من شِرعة بني إسرائيل!

****

جاء في إرمياء 3/3 أنّ الربّ الإله كان بصدد تقريع ((يهوذا)) وتأنيبها, فقال: ((لذلك امتنع عنك الغيث، ولم تهطل أمطار الربيع، ومع ذلك صارت لك جبهة زانية تأبى أن تخجل.))

جاء في المعجم الكتابي ((Dictionary of the Bible)) الذي أشرف على تحريره الناقد الكتابي التقليدي الشهير ((فيليب شاف)) ((Philip Schaff)) في مقال ((الجبهة)): ((كلّما كان النساء يراعين العفّة؛ غطّين الجبهة بحجاب, فإن لم يفعلن ذلك؛ كان ذلك منهن علامة على تركهن الحياء. إرمياء 3/3)) [19]

****

يخبرنا العهد القديم أنّ كشف الرأس هو علامة الحزن, بل والمبالغة في التجزّع, حتى ((قال موسى لهرون وألعازار وإيثامار ابنيه: ((لا تكشفوا رؤوسكم ولا تشقوا ثيابكم حدادًا، لئلا تموتوا ويسخط الرب على كل الشعب. وأما بقية الشعب فليبكوا على اللذين أحرقهما الرب.)) (اللاويين 10/6) .

فإذا كان كشف الرأس منكرًا بالنسبة للرجال في زمن ((موسى)) عليه السلام, فكيف بالأمر مع النساء؟!

[1] سيكون التركيز في بقيّة الكتاب على تغطية الرأس باعتبارها مطابقة لمعنى (الحجاب)؛ وذلك لأنّ تغطية الرأس في اليهوديّة والنصرانية مقترنة عامة بتغطية كامل البدن أو جلّه (باستثناء الوجه والكفين).

[2] Encyclopaedia Judaica, New York: Peter Publishing House, 1971 ,16/84

[3] انظر؛ James Orr, eds. The International Standard Bible Encyclopaedia, Chicago: Howard Severance Company, 1915, 5/3047

[4] Franz Delitzch, A New Commentary on Genesis, tr. Sophia Taylor, New York: Scribner & Welford, 1889, 2/115

[5] انظر المصدر السابق

[6] انظر؛ Joseph Addison Alexander, Commentary on Isaiah, MI: Kregel Publications, 1992, 197

[7] انظر المصدر السابق

[8] تادرس يعقوب ملطي, إشعياء (ضمن سلسلة, من تفسير وتأمّلات الآباء الأوّلين) (نسخة إلكترونيّة)

[9] Joseph Addison Alexander, op. cit., p.197

[10] انظر؛ Franz Delitzsch, Biblical Commentary on the Prophecies of Isaiah, tr. Samuel Rolles Driver, Edinburgh: T. & T. Clark, 1892, 1/131-132

[11] أتو كايزر: ولد سنة 1924م. ناقد كتابي ألماني متخصص في دراسات العهد القديم والفلسفة المعاصرة. رَأَس دراسات العهد القديم في جامعة (ماربورغ). أصدر عددًا من المؤلفات الضخمة في لاهوت العهد القديم وشروح أسفاره.

[12] Otto Kaiser, Isaiah 1-12: A Commentary, Philadelphia: Westminster John Knox Press, 2nd edition, 1983, p.80

[13] The Oxford Dictionary of the Jewish Religion , p.180

[14] سفر دانيال في الكتاب المقدس الكاثوليكي يضم فصلين بعد الفصل الثاني عشر, وهي زيادة مقدّسة أيضًا عند الكنائس الشرقيّة, وقد دافع عن قانونيّتها ((أريجن)) في كتابه ((Epistola ad Africanum)), واستدلّ بها ((ترتليان))كنص موحى به في كتابه ((De Corona)), كما اقتبس منها ((إيرانيوس)) في كتابه ((contra haereses)) (انظر؛ R. H. Charles, The Apocrypha and Pseudepigrapha of the Old Testament, CA: Apocryphile Press, 2004, 1/645)؛ في حين ينتهي سفر دانيال عند البروتستانت واليهود بالفصل الثاني عشر!! والنص المستدل به, يكشف في أدنى حال –عند اليهود والبروتستانت- , شرعية النقاب في العرف اليهودي القديم!

[15] راشي: اسمه الحقيقي: شلومو يتصحاقي שלמה יצחקי (1040م-1105م): حبر فرنسي. مؤلّف أوّل تفسير موسّع للتلمود, كما أنّ له تفسيرًا موسعًا للعهد القديم. يعتبر شرحه للتلمود والعهد القديم مصدراً أساسياً للشروح التالية لهما عند علماء اليهود.

[16] Yehuda Henkin, Responsa on Contemporary Jewish Women’s Issues, New Jersey: KTAV Publishing House, 2003 , p.131

[17] فلنا غاون, اسمه الحقيقي: إيليا بن شلومو زلمان אליהו בן שלמה זלמן‎ (1720م-1797م): عالم يهودي مبرّز في الدراسات التلموديّة والتشريعيّة والكاباليّة. رغم أنّه من متأخري اليهود زمنيًا, إلاّ أنّ هناك من عدّه من كبار رجال الدين في القرون الوسطى؛ بسبب تميّزه وسلطانه العلمي.

[18] انظر؛ M. Schiller, “The Obligation of Married Women to Cover their Hair,’ in The Journal of Halacha, 30 (1995), 85

[19] Philip Schaff ed., A Dictionary of the Bible, Philadelphia: American Sunday-school Union, 1881, 2nd edition, p.312

© ARICR.ORG جميع الحقوق محفوظة لمبادرة البحث العلمي لمقارنة الأديان