الشبهة الثالثة: الحجاب تزمّت بغيض

((الحجاب تزّمت, وتعصّب, وتكلّف في اللباس, وتضييق على النفس, وإمعان في السير في مضايق الحرج والإعنات ..!!)) .. هكذا لسان من يعادون الحجاب .. وينصبون له لواء البغض .. فهل لكلامهم رصيد من صواب ..؟ وهل يستحقّ شيئًا من الاعتداد ..؟

الجواب:

أولًا/ قد قيل: ((الحكم على الشيء, فرع عن تصوّره)) والحكم على الشيء دون تصوّره؛ باطل محض .. والحكم عليه بتصوّره على غير حقيقته؛ تجانف عن الحقّ!

الصورة في حقيقتها, بعيدًا عن التجميل أو التحقير والتشويه هي: فتاة مقبلة على ربّها, قرأت قرآنها وسنّة المعصوم المبلّغ عن خالقها؛ فوجدت أنّ الإسلام يأمر المرأة بالحجاب, ويدعوها إلى أن تغطي مفاتنها بالحدود التي رسمها الشرع, وتبتعد عن أماكن اللهو والفساد, ولا تخالط الرجال .. ثمّ هي بعد ذلك, تأخذ من حلال الدنيا ما تريد, وتلبس في بيتها وأمام زوجها ما تشاء من رائق وبديع, وتتجمّل في محافل النساء باللباس الجميل والحليّ بلا نكير, مادام ذلك لا يفتح للفتنة والكِبر والرغبة في الشهرة سبيل .. قد فُتِّحت لها أبواب الأخذ من موارد النعمة, ولم تمنع في هذا المساق إلاّ من اللباس الذي يثير غرائز الرجال .. فأين التزّمت وأين التشدّد..؟!

إنّ ما فاه به المعترض من عباراتٍ مجّانيّة للنكير على المحجّبات, لا تحمل من ثقل الحجّة شيئًا؛ بل هي مثقلة بأوضار الحيف في استكناه حقيقة الحجاب وواقع أثره على المرأة التقيّة!

ثمّ إنّ هذا المُنكر على من تسبل لباس العفّة على جسدها, قد سيطر على عقله ما اختاره الغرب من أنماط تفكير وسلوك؛ فهو لا يرى المرأة إلاّ في مجامع الاختلاط واللهو والعبث, ولا تروق له إلاّ وهي تتأبّط شهواتها, وتنثر سهام الفتنة في خلواتها وجلواتها .. هو لا يراها مقبلة على صلاة, ولا سابحة بين موج كتاب, ولا صادعة بالحقّ في مقام بلاغ!

إنّه إسقاط لنمط الحياة الغربي على واقع المرأة المسلمة .. ولكنّهما لا يلتقيان, قد عَظُمَ البرزخ فلا يجتمعان .. ولمّا علم المنكر أنّ الجمع بين التراب والتِبر محال؛ قاده فكره إلى أن يمحو من المسلمة معالم كيانها, حتى توافق (القالب) الغربي الذي يريد أن يغتالها!

ولو أنّ هذا المعترض كان مبصرًا منصفًا؛ لحاكم النمط الغربي إلى معايير الاعتدال والنضج العقلي, لكنّه لم يفعل ذلك, وإنّما اختار أن يدفع المرأة المسلمة أن تسفل في قدرها بأن تخرج من خدرها, لا لتصنع خيرًا؛ وإنّما لتسفح ماء (الآدميّة) المكرّمة, على (مذبح) نهمة الرجال الجامحة .. ولمّا رفضت صاحبة الحجاب الاحتجاب عن نور الطهر؛ رماها الرامي بالتزمّت والتكلّف في مجانبة الحلال الزلال .. فهلاّ أخبرنا عن أيّ حلال يتحدّث, وما هي الطهارة التي منها قد مُنعت!

إنّها عقول قد (برمجت) على الإنكار .. تظن أنّ بيانها من لسانها .. وهي –لو علمت- ترى العالم بغير عينيها, وتستلذّ ما وافق أهواء غيرها!

ثانيا/ إنّ الغرب الذي يرضع المعترض من حليب فكره, لا يرى في المرأة النصرانيّة التي توارت خلف حجاب الأديرة, ومنعت نفسها من أطايب الحياة؛ طمعًا في حلم ساذج شنيع المعالم؛ وهو أن تكون يوم القيامة عروس المسيح (إلهها) و(خالقها!!) بزعمها (!!)[1] .. لم ير فيها مجرمة ولا خائنة لشهوات طبعها .. وإنّما هي عنده امرأة قد اختارت من اللباس وأمور المعاش ما وافق فكرها .. أمّا عندنا, وقد فتح الشرع لأبواب الملاذ كلّ باب, ما لم تقد إلى فساد, فقد رميت المرأة بنصال التشدّد والتكلّف ..!!

فكيف يستقيم الحال, وتعتدل الصورة في عقل لا يستشنع الرهبنة القائمة على تعذيب النفس وجلدها بسياط الحرمان, ويستقبح مع ذلك تغطيةً للحمٍ, لا تمنع خيرًا, ولا تحرم من نعيم لا يستغنى عنه؟!

ثالثا/ لا شكّ أنّ عامة من يقول إنّ الحجاب هو نوع من التزمّت الصرف, يزعم –في الظاهر؛ حتّى لا يتّهم بالانحراف العقائدي- أنّ الإشكال ليس في الحشمة ولا في التديّن, وإنّما الاعتراض منصرف إلى المبالغة في التباعد عن مظان الفتنة, والتحرّز من مسالك الغواية.

ووجه الخطأ في هذا المقام هو أنّ المنكر على الحجاب باعتباره تزمّتًا, قد أهمل (مصدر) الحكم على الشيء بالاعتدال والتفريط؛ وهو النصّ الشرعي .. فالتزمّت هو فعل يتضمّن المبالغة في ترك المباحات .. والشرع وحده هو الذي يحدّد بصورة نهائية المباح من الممنوع .. ولمّا كان الأمر كذلك؛ وجب استنطاق نصوص الشرع للحكم على الحجاب على أنّه التزام بواجب, أم تكلّف وتزمت لم ينزل به الله سلطانًا!

وبالنظر في نصوص الوحي؛ وجدنا أنّ الحجاب فريضة شرعيّة محكمة لا يردّها مسلم البتّة, ولا يرتاب في ذلك من فقه من دين الله شيئًا .. وعندها تسقط دعوى تزمّت المحجّبات؛ لأنّ فعلهن موافق لأمر صاحب الشرع جلّ وعلا؛ فلم يمنع مباحًا, ولم يضيّق واسعًا!

رابعا/ إنّ القائل إنّ الحجاب تزمّت لم يدرك من حقيقة الحجاب شيئًا؛ وإنّما غُمّ عليه بفعل اتّخاذ الواقع (مصدرًا للفكر) لا (موضوعًا للفكر)!

إنّ هذا المعترض قد نظر فيما حوله؛ فرأى أنّ التغريب والعالمانيّة والحداثة وما بعدها, كلّها قد أنشأت مظهرًا في اللباس له خصوصيّة ومقاس .. ولأنّ هذا المعترض يميل إلى الحكم على ما يبدو من السطح, دون أن ينزع إلى الغوص في العمق؛ فقد ظنّ أن واقع بلادنا هو الذي يفرض أشكال اللباس التي تناسبه وتتساوق مع أنماطه الحياتيّة ومعاييره الجماليّة .. وهو عين الخلل في التفكير!

إنّ الواقع موضوع للتفكير والحكم والتغيير, وليس هو أصلٌ لمعرفة الحسن والقبيح .. إنّنا مطالبون بأن نغيّر الواقع حتّى يوافق أفكارنا الصائبة, ولسنا مطالبين بأن نجعل أنفسنا عرضة لتقلّب الواقع, وتغيّر أنفس الناس, وتحكم أهوائهم في أفكارهم ..

إنّ عبارة ((التزمّت)) هي عبارة حمّالة أوجه, لا يمكن ضبط معناها إلاّ بتحديد معيار نعرف به الاعتدال والتطرّف, والرخاوة والشدّة, والانضباط والانفلات .. وإذا غيّرت (المعيار)؛ تغيّر حكمك على الوسط والأطراف, والحقّ والباطل, والهدى والضلال ..

وكمثال يجلّي الحال؛ أقول: توجد في بلاد الغرب بعض المناطق التي يرتادها مجموعة من الناس يسمّون بـ((nudists)) يتبنون فلسفة ((العري)) ((Nudism)), وهم: رجالاً ونساءً, لا يلبسون شيئًا, عوراتهم المغلّظة مكشوفة, وهم يعتبرون أنّ هذا هو السبيل السويّ للحياة, وأن تغطية العورات هو من التكلّف الاجتماعي المصطنع, وأنّ الأصل أن يكتفي المرء بجلده, ويستغني عن كلّ لباس .. فلو مشت بينهم امرأة تلبس ملابس البحر؛ فسيبدو شكلها منكرًا, وفعلها مستهجنًا؛ لأنّها خالفت ما يرونه اعتدالاً, بترك تغطية أيّ شيء من البدن .. [2]

ولو غيّرت رِِِحْلَكَ إلى بلاد أخرى؛ فسيتغيّر المعيار, لتبدّل الأعراف .. وتبقى طول عمرك تغيّر ذوقك وحكمك وقيمك, تبعًا لتبدّل أهواء الناس, رغم أنّك نفس الإنسان؛ لحمًا وعظمًا وفكرًا, هنا وهناك ..!!

خامسا/ إنّ الفعل الذي يجب أن يدان باعتباره تزمّتًا, هو حرمان المرأة من حقوقها الآدميّة, ومنعها من الملاذ الدنيويّة الضروريّة, وقبل ذلك ما يمنعها من أن تؤدّي وظيفة العبوديّة, وما يحول بينها وبين النجاح في اختبار الدنيا لتنعم بجنان الآخرة ..أمّا ما هو غير ذلك, فيخضع لمراعاة الحاجات الفرديّة والاجتماعيّة, ومصلحة الأسرة والمجتمع, وواقع البيئة .. فيُمنع الرجل من أفعال لأنّها تتعدّى على حقوق أساسيّة للمرأة والأولاد, وتمنع المرأة من حقوق لتعدّيها على حقوق أولى للزوج والولد, ويمنع الأبناء من حقوق تجور على حقوق الآباء .. وهكذا تتداخل الحقوق, وتتوسّع, وتضمر, تبعًا لتشابكها فيما بينها, وصلتها بوظيفة العبوديّة لله عزّ وجل.

[1] انظر مثلاً؛ Saint Alphonso Liguori, True Spouse of Jesus Christ or The Nun Sanctified by the Virtues of her State, Dublin: John Coyne, 1835 وهو زواج (روحي) له مهره الذي تدفعه الراهبة!!

[2] انظر في فلسفة هذه (الطائفة) وتاريخها؛Frances Merrill, Among the Nudists, Early Naturism, Read Books, 2008 , وقد نشر هذا الكتاب أوّلاً سنة 1930م, وفيه دفاع عن (حق) العري في المجامع العامة!

© ARICR.ORG جميع الحقوق محفوظة لمبادرة البحث العلمي لمقارنة الأديان